الشهيد الثاني

15

التنبيهات العَليّة على وظائف الصلاة القلبية

اجتماع المصلّين على أدائها - متّجهين إلى قبلة واحدة ، متساوين في صفوف واحدة - توثيق للألفة ، وباعث على التّعارف والتّحابب ، وفي تكرير ذلك - في اليوم - خمس مرّات تذكير للعبد بربّه ، وتعويد للقلب على مراقبته تعالى ، ومن راقب اللّه وقف عند حدوده ، وانتهى عن محارمه ، ولعلّ هذا وغيره كان السّبب في تشريع الصّلاة ، وإعطائها هذه الأهميّة ؛ فقد روى الشّيخ الصّدوق « رحمه اللّه » بإسناده عن محمّد بن سنان : أن أبا الحسن عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله ؛ أنّ علّة الصّلاة : ( إنّها إقرار بالرّبوبيّة للّه عزّ وجلّ ، وخلع الأنداد ، وقيام بين يدي الجبّار جلّ وعلا بالذّلّ والمسكنة ، والخضوع والاعتراف والطّلب للإقالة من سالف الذّنوب ، ووضع الوجه على الأرض كلّ يوم خمس مرّات إعظاما للّه عزّ وجلّ ، وأن يكون ذاكرا غير ناس ولا بطر ، ويكون خاشعا متذلّلا ، راغبا طالبا للزّيادة في الدّين والدّنيا مع ما فيه من الانزجار والمداومة على ذكر اللّه عزّ وجلّ باللّيل والنّهار ؛ لئلّا ينسى العبد سيّده ومدبّره وخالقه فيبطر ويطغى ، ويكون في ذكره لربّه وقيامه بين يديه زاجرا له عن المعاصي ، ومانعا من أنواع الفساد ) « 1 » . إنّ من أمعن النّظر في أسرار تشريع الصّلاة وما تضمّنت من استعراض جميع من بلغ سنّ الرّشد وصار بمستوى التّكليف من بين أكثر من مليار مسلم - خمس مرّات في كلّ يوم وليلة - في صفوف منتظمة بكلّ سكينة ووقار وخشوع ؛ الرّئيس إلى جانب المرؤس ، والأمير إلى جانب المأمور ، والغني إلى جانب الفقير ، والمخدوم إلى جانب خادمه ، والقويّ إلى جانب الضّعيف ، والسّيّد إلى جانب المسود ، لا يتميّز الرّفيع من الوضيع ، والكلّ منكسر القلب ، خاشع للّه ربّ الأرباب دون ميزة لبعضهم على البعض ، ولا فارق ولا أفضليّة مادّيّة فيما بينهم ، وكلّهم مستقبل الكعبة المشرّفة ، متّجه إلى بقعة أشرقت فيها شمس الهداية المحمّديّة ، يتلو النّشيد

--> ( 1 ) علل الشّرائع : 317 حديث 2 .